عرضت
قبل أيام إحدى القنوات الفضائية العراقية مشاهدا وثائقية لمجاميع من
الصبية والأطفال وهم يرتدون أقنعة وأزياء الزمر الإرهابية للقاعدة
وأمثالها ،وأعلن عن حقيقتها حيث استغلتها تلك العصايات لتكون فصائل لها في
عمليات القتل المنظم الذي شاع في العراق قبل بضعة أشهر ،وقد أكدت هذه
المشاهد ما لا يستطيع تصوره العقل حين تكون لمثل هذه الكائنات القدرة على
استخدام السلاح والاستعداد لتنفيذ القتل بابشع صوره ،مما يمحو لدى الناظر
لها صور الطفولة والبراءة ،ويجعل المراقب في حيرة من امره فيما لو سمع من
وسائل الإعلام المغرضة ان السلطات الأمنية قد ألقت القبض على أطفال او
قتلت احدهم ،بين ان يدين الحكومة على خرقها لقواعد حقوق الإنسان ،او يطالب
بإنزال القصاص العادل بمثل هذه الكائنات المتعطشة للدماء وكأنها مسوخ .. هذا
التصور يجرنا الى مشكلة العنف الذي استشرى في بعض أطراف المجتمع العراقي
وخصوصا في إطار الأسرة والطفولة حصرا ،فالأسرة العراقية حوصرت كثيرا من
قبل مصادر العنف سواء قبل سقوط النظام السابق ،او بعده ولاسيما اثر تأجج
الصراع الطائفي ،حيث يكون مدار الحديث لديها سرد الجرائم البشعة او تداول
الاخبار عن الجثث المقطوعة الرؤوس او المشاهد اليومية لتنفيذ القتول
المختلفة ،واذكر قبل اكثر من عام نشرت وسائل الإعلام أخبارا عن ذبح بعض
المعلمين امام تلامذتهم في بعض المناطق الساخنة ، يناظرها في الوقت ذاته
البث التلفزيوني للحوادث والجرائم التي تبوح بالكثير من الصور المرعبة
التي اعتاد عليها الأطفال ،بل تحول بعضهم الى شهود عيان للكثير من تلك
الكوارث ناهيك عن ان يكون الكثير منهم شخوصها من قتلى او جرحى ،مما يؤدي
ذلك الى كسر حواجز الخوف لدى البعض منهم ماداموا بعيدا عن الرقيب الواعي
من الاهل او المرشد التربوي .. هذا جانب خطير من الظروف
الحادثة التي لابد لها ان تخلق استعداد فطري لدى الطفل في اقتراف العنف
،تتضافر معها ثقافة التطرف الاجتماعي والعقائدي ،وأساليب الإغواء والتحريض
بدوافع الثأر والانتقام ،لاسيما بالنسبة للأيتام منهم او من قتل قريب لهم
او هجر ..الخ.فيما نجد الجوانب التقليدية في انتشار ظاهرة العنف في
المجتمع وانعكاسه على الأطفال ،فقد تكون قانونية حيث مازالت نصوص في قانون
العقوبات العراقي مثلا تبيح استخدام العنف ضد الأطفال لغرض تأديبهم كما في
المادة 41منه حيث نص في أسباب الإباحة ـ استعمال الحق ـ (لا جريمة إذا وقع
الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالاً للحق:1 - تأديب
الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود
ما هو مقرر شرعاً او قانوناً او عرفاً.) إذن، فان الأصل
هو إباحة حق التأديب للزوج ضد زوجته والآباء ضد أبنائهم والمعلمين ضد
تلامذتهم دون قيد سوى بحدود ما هو مقرر شرعا او قانونا او عرفا ،وهذا
القيد واسع الدلالة وقابل للتأويل والتغيير ،والمهم فيه ان يبيح القانون
حق للزوج في استخدام العنف ضد زوجته ويمتد ذلك الى إشاعة حالة من الإرهاب
المنزلي قد يؤدي الى انسحابه للتأثير على نفسية الطفل وعلاقاته مع أقرانه
حتى ينمو ذلك مع ادراكاته الأخرى فيولد به تلك العدوانية او السادية
،إضافة الى ان اعتياده على تلقي العقوبات البدنية قد يولد فيه نوع من
التطبع مع العقوبات ،او تطور لديه حالة التمرد على القوانين العقابية او
التنظيمية التي تصدرها الدولة .. في احد البرامج
الإفتائية سالت إحدى المدرسات رجل الدين الذي يجيب عن تلك الاستفتاءات عما
اذا ارتكبت إثما اثر استخدامها العنف ضد بعض تلامذتها ، فكان جوابه ينطوي
على إدانة واضحة لتلك التصرفات، مؤكدا لها ان كل شدّة تترك أثرا واضحا على
جسد ذلك التلميذ يرتب عليها حد شرعي او دية ،بل دعاها الى ان تنزل لمستوى
تلامذتها كأن تشاركهم ألعابهم وصياحهم بحبور وطرافة ،تمهيدا للخوض في
الدرس وفرض الجدية دون إشعار ذلك الطفل بالهلع من عقوباتها البدنية
،وإشعاره بان معلمته ما هي إلا وحش ضاري يكاد ينقض عليه ، وذلك ما يقلل
لديه الرغبة في الدراسة والتقدم فيها. نص المادة 41 من
قانون العقوبات المشار إليه لم يقتصر على المعلم في المدرسة كما يبدو من
ظاهره ،وإنما يمك ان يشمل كل معلم لمهنة ما ،حيث تكثر ظاهرة عمل القاصرين
في بعض المهن الحرة ،وذلك باب لمشكلة كبيرة تتداخل خلالها الكثير من
الأسباب المادية والموضوعية والذاتية ،واهم طرف فيها الدولة ونظام الحكم
،حيث تسود هذه الظاهرة كلما سادت حالة الفقر والتخلف عن ملاحقة التطورات
العلمية والحضارية في العالم .. التغيرات الموضوعية التي
شملت الواقع العراقي في المرحلة الحالية ،أحدثت انفتاحا كبيرا على المستوى
الثقافي ،لاسيما ما يتعلق بالبث التلفزيوني وعالم الاتصالات (الانترنت)
وورود الألعاب الالكترونية دون رقيب ،قد وضع الطفل أمام عوالم مرعبة من
الإرهاب وتسويغه ،فعلى صعيد الأشرطة السينمائية فإنها محشوّة بالقتل
والدماء والموت المجاني ، فيما تغزو أسواق الأقراص الليزرية ألعاب تفرض
على لاعبها ان يكون قاتلا وبكافة أنواع الأسلحة فيرى الدماء تسيل بكل
غزارة ،وقد زاد الطين بلّة استيراد قطع الألعاب التي المقلدة للأسلحة
النارية ،فلا يجد الطفل بدا من استخدامها وهو يشعر بأنها أسلحة حقيقية .
وكل ذلك بسبب انعدام الرقابة العامة من قبل الجهات الحكومية ذات العلاقة
من جهة ،وغض النظر من قبل الأسرة ،رغبة في إشغال الأطفال عن الفوضى التي
يمكنهم إحداثها بدل الخروج الى الشارع المزدحم بالخوف من المجهول ..
الاربعاء, 19 مارس, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








